مجمع البحوث الاسلامية

185

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

استهدفته الآيات . وفي السّور السّابقة آيات وعبارات انطوى فيها ذلك ممّا يصحّ أن يعدّ من المبادئ القرآنيّة المحكمة . ويلفت النّظر إلى ما بين هذه المقدّمة وبين آيات السّورة السّابقة الأخيرة من تساوق تأكيديّ في صدد غفران الذّنوب وقبول التّوبة ، وتقرير كون كلمة العذاب إنّما حقّت على الكافرين المكابرين ، الكاذبين على اللّه المكذّبين بآياته ، ممّا يمكن أن يكون قرينة مّا على صحّة ترتيب نزول هذه السّورة بعد سورة الزّمر . ( 5 : 104 ) الطّباطبائيّ : لمّا ذكر تنزيل الكتاب وأشار إلى الحجّة الباهرة على حقّيّته ، المستفادة من صفاته الكريمة المعدودة في الآيتين ، الدّالّة على أنّه منزّل بعلمه الّذي لا يشوبه جهل ، وبالحقّ الّذي لا يدحضه باطل ، تعرّض لحال الّذين قابلوا حججه الحقّة بباطل جدالهم ، فلوّح إلى أنّ هؤلاء أهل العقاب وليسوا بفائتين ولا مغفولا عنهم ، فإنّهم كما نزّل الكتاب ليغفر الذّنب ويقبل التّوب ، كذلك نزّله ليعاقب أهل العقاب فلا يسوؤنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم جدالهم ولا يغرّنّه ما يشاهده من حالهم . فقوله : ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللَّهِ لم يقل : ما يجادل فيه ، أي في القرآن ، ليدلّ على أنّ الجدال في الحقّ الّذي تدلّ عليه الآيات بما هي آيات ، على أنّ طرف جدالهم هو النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وهو داع إلى الحقّ تدلّ عليه الآيات ، فجدالهم لدفع الحقّ لا للدّفاع عن الحقّ ؛ على أنّ الجدال في الآية التّالية مقيّدة بالباطل لإدحاض الحقّ . فالمراد بالمجادلة في آيات اللّه هي المجادلة لإدحاضها ودفعها وهي المذمومة ، ولا تشمل الجدال لإثبات الحقّ والدّفاع عنه ، كيف ؟ وهو سبحانه يأمر نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك إذا كان جدالا بالّتي هي أحسن ، قال تعالى : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ النّحل : 125 . ( 17 : 305 ) مكارم الشّيرازيّ : « يجادل » مشتقّة من « جدل » وهي في الأصل تعني لفّ الحبل وإحكامه ، ثمّ عمّ استخدامها في الأبنية والحديد وما شابه ، ولهذا فإنّ كلمة « مجادلة » تطلق على الّذين يقفون في قبال أحدهم الآخر ؛ إذ يريد كلّ شخص أن يلقي حجّته ، ويثبت كلامه ، ويغلب خصمه . ولكن ينبغي الانتباه إلى أنّ كلمة « المجادلة » لا تعتبر مذمومة دائما من وجهة اللّغة العربيّة ، بل إنّها تعتبر إيجابيّة ومطلوبة إذا كانت المجادلة في طريق الحقّ ، وتستند على المنطق وتهدف إلى تبيين الحقائق وإرشاد الأشخاص الجهلة ، أمّا إذا كانت على أسس واهية من أسباب التّعصّب والجهل والغرور ، وتستهدف خداع هذا وذاك ، فتكون عند ذلك مذمومة . القرآن الكريم استخدم كلمة « المجادلة » في كلا مورديها ، إذ نقرأ في الآية : « 125 » من سورة النّحل قوله تعالى : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . إلّا أنّه في موارد أخرى ، كما في الآية أعلاه وفيما بعدها ، فقد وردت « المجادلة » بمعنى الذّمّ . . . المجادلة في القرآن الكريم : لقد وردت كلمة « المجادلة » خمس مرّات في هذه السّورة المباركة ، وهي جميعا تختصّ بالمجادلة السّلبيّة الباطلة ، والآيات الّتي اشتملت على ذكر المجادلة هي « 4 ، 5 ، 35 ، 56 ، 69 » وبهذه المناسبة لا بأس بالتّعرّض